فصل: قال الخطيب الشربيني في الآيات السابقة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{قَالُواْ ياأَبَانَا استغفر لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خاطئين} ومن حق المعترف بذنبه أن يصفح عنه ويسأله المفغرة.
{قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم} اخره إلى السحر أو إلى صلاة الليل أو إلى ليلة الجمعة تحريًا لوقت الإِجابة، أو إلى أن يستحل لهم من يوسف أو يعلم أنه عفا عنهم فإن عفو المظلوم شرط المغفرة. ويؤيده ما روي أنه استقبل القبلة قائما إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة وهو إن صح فدليل على نبوتهم وأن ما صدر عنهم كان قبل استنبائهم: {فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ} روي أنه وجه إليه رواحل وأموالًا ليتجهز إليه بمن معه، واستقبله يوسف والملك بأهل مصر وكان أولاده الذين دخلوا معه مصر اثنين وسبعين رجلًا وامرأة، وكانوا حين خرجوا مع موسى عليه الصلاة والسلام ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعين رجلًا سوى الذرية والهرمى. {ءَاوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} ضم إليه أباه وخالته واعتنقهما نزلها منزلة الأم تنزيل العم منزلة الأب في قوله تعالى: {وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} أو لأن يعقوب عليه الصلاة والسلام تزوجها بعد أمه والرابة تدعى أمًا: {وَقَالَ ادخلوا مِصْرَ إِن شَاء الله ءامِنِينَ} من القحط وأصناف المكاره، والمشيئة متعلقة بالدخول المكيف بالأمن والدخول الأول كان في موضع خارج البلد حين استقبلهم.
{وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا} تحية وتكرمة له فإن السجود كان عندهم يجري مجراها. وقيل معناه خروا لأجله سجدًا لله شكرًا. وقيل الضمير لله تعالى والواو لأبويه وإخوته والرفع مؤخر عن الخرور وإن قدم لفظًا للاهتمام بتعظيمه لهما. {وَقَالَ يأَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ} التي رأيتها أيام الصبا. {قَدْ جَعَلَهَا رَبّى حَقّا} صدقًا. {وَقَدْ أَحْسَنَ بَى إِذَا أَخْرَجَنِى مِنَ السجن} ولم يذكر الجب لئلا يكون تثريبًا عليهم. {وَجَاء بِكُمْ مّنَ البدو} من البادية لأنهم كانوا أصحاب المواشي وأهل البدو. {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى} أفسد بيننا وحرش، من نزغ الرائض الدابة إذا نخسها وحملها على الجري. {إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء} لطيف التدبير له إذ ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته ويتسهل دونها. {إِنَّهُ هُوَ العليم} بوجود المصالح والتدابير. {الحكيم} الذي يفعل كل شيء في وقته وعلى وجه يقتضي الحكمة. روي: أن يوسف طاف بأبيه عليهما الصلاة والسلام في خزائنه فلما أدخله خزانة القراطيس قال: يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إلي على ثمان مراحل قال: أمرني جبريل عليه السلام قال: أو ما تسأله قال: أنت أبسط مني إليه فاسأله فقال جبريل: الله أمرني بذلك. لقولك: {وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذئب} قال فهلا خفتني.
{رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ الملك} بعض الملك وهو ملك مصر. {وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الأحاديث} الكتب أو الرؤيا، ومن أيضًا للتبعيض لأنه لم يؤت كل التأويل. {فَاطِرَ السموات والأرض} مبدعهما وانتصابه على أنه صفة المنادى أو منادى برأسه. {أَنتَ وَلِىِّ} ناصري ومتولي أمري. {فِى الدنيا والاخرة} أو الذي يتولاني بالنعمة فيهما. {تَوَفَّنِى مُسْلِمًا} اقبضني. {وَأَلْحِقْنِى بالصالحين} من آبائي أو بعامة الصالحين في الرتبة والكرامة. روي أن يعقوب عليه الصلاة والسلام أقام معه أربعًا وعشرين سنة ثم توفي وأوصى أن يدفن بالشام إلى جنب أبيه، فذهب به ودفنه ثمة ثم عاد وعاش بعده ثلاثًا وعشرين سنة، ثم تاقت نفسه إلى الملك المخلد فتمنى الموت فتوفاه الله طيبًا طاهرًا، فتخاصم أهل مصر في مدفنه حتى هموا بالقتال، فرأوا أن يجعلوه في صندوق من مرمر ويدفنوه في النيل بحيث يمر عليه الماء، ثم يصل إلى مصر ليكونوا شرعًا فيه، ثم نقله موسى عليه الصلاة والسلام إلى مدفن آبائه وكان عمره مائة وعشرين سنة، وقد ولد له من راعيل افراثيم وميشا وهو جد يوشع بن نون، ورحمة امرأة أيوب عليه الصلاة والسلام. اهـ.

.قال الخطيب الشربيني في الآيات السابقة:

{قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77)}
ولما حصل لإخوة يوسف من إخراج الصواع من رحل بنيامين ما حصل، فكأنه قيل: فما كان فعلهم عند ذلك؟
فقيل: {قالوا} تسلية لأنفسهم ودفعًا للعار عن خاصتهم: {إن يسرق} ولم يجزموا بسرقته لعلمهم بأمانته وظنهم أنّ الصواع دس في رحله وهو لا يشعر كما دست بضاعتهم في رحالهم، وكان قد قال لهم ذلك: {فقد سرق أخ له من قبل}، أي: يوسف وكان غرضهم من ذلك إنا لسنا على طريقته ولا على سيرته، وهو وأخوه مختصان بهذه الطريقة؛ لأنهما من أمّ أخرى، واختلفوا في التي نسبوها إلى يوسف عليه السلام على أقوال، فقال سفيان بن عيينة: أخذ دجاجة من الطير التي كانت في بيت يعقوب فأعطاها سائلًا. وقال مجاهد: جاءه سائل فأخذ بيضة من البيت فناولها للسائل، وقال وهب: كان يخبئ الطعام من مائدة يعقوب للفقراء، وقال سعيد بن جبير: كان جدّه أبو أمّه كافرًا يعبد الوثن وأمرته أمّه أن يسرق تلك الأوثان ويكسرها، فلعله يترك عبادة الأوثان ففعل ذلك فهذا هو السرقة. وقال محمد بن إسحاق: إنّ يوسف عليه السلام كان عند عمته ابنة إسحاق، وكانت تحبه حبًا شديدًا، فأرادت أن تمسكه عند نفسها وكان قد بقي معها منطقة لأبيها إسحاق عليه السلام، وكانوا يتبركون بها، فشدّتها على وسط يوسف عليه السلام من تحت ثيابه وهو صغير لا يشعر، ثم قالت: إنه سرقها، وكان علمهم أنّ من سرق يسترق فقال يعقوب عليه السلام: إن كان قد فعل ذلك فهو سلم لك فأمسكته عندها حتى ماتت، فتوصلت بهذه الحيلة إلى إمساكه عند نفسها.
قال ابن الأنباري: وليس في هذه الأفعال كلها سرقة، ولكنها تشبهها فعيروه بها عند الغضب، وقيل: إنهم كذبوا عليه وبهتوه، وكانت قلوبهم مملوءة من الغضب على يوسف بعد تلك الوقائع وبعد انقضاء المدّة الطويلة. قال الرازي: وهذه الواقعة تدل على أنّ قلب الحاسد لا يطمئن من الغل البتة. {فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها}، أي: يظهرها: {لهم} والضمير للكلمة التي هي قوله: {قال}، أي: في نفسه: {أنتم شرّ مكانًا}، أي: من يوسف وأخيه، أي: لسرقتكم أخاكم من أبيكم وظلمكم له، وقيل: الضمير يرجع إلى الكلمة التي قالوها في حقه، وهي قولهم: {فقد سرق أخ له من قبل} وعلى هذا يكون المعنى: فأسر يوسف جواب الكلمة التي قالوها في حقه: {والله أعلم} منكم: {بما تصفون}، أي: تقولون، وأنه ليس كما قلتم، قال أصحاب الأخبار والسير: إنّ يوسف عليه السلام لما استخرج الصاع من رحل بنيامين نقره وأدناه إلى أذنه ثم قال: إنّ صاعي هذا يخبرني أنكم كنتم اثني عشر رجلًا لأب واحد وإنكم انطلقتم بأخ لكم من أبيكم فبعتموه فقال بنيامين: أيها الملك إنّ صاعك يخبرك من جعله في رحلي، ثم نقره وأدناه من أذنه، فقال: إنّ صاعي غضبان وهو يقول: كيف تسألوني عن صاحبي وقد رؤيت مع من كنت؟ قالوا: فغضب روبيل لذلك، وكانوا أولاد يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا، وكان روبيل إذا غضب لم يقم لغضبه شيء، وكان إذا صاح ألقت كل حامل حملها إذا سمعت صوته، وكان مع هذا إذا مسه أحد من ولد يعقوب عليه السلام يسكن غضبه، وكان أقوى الأخوة وأشدّهم، وروي أنه قال لإخوته: كم عدد الأسواق بمصر؟ قالوا: عشرة. فقال: اكفوني أنتم الأسواق، وأنا أكفيكم الملك أو اكفوني أنتم الملك وأنا أكفيكم الأسواق، ودخلوا على يوسف فقال روبيل: لتردّن علينا أخانا أو لأصيحنّ صيحة لا تبقي بمصر امرأة حامل إلا ألقت ولدها، وقامت كل شعرة في جسده حتى خرجت من ثيابه، فقال يوسف لابن له صغير: قم إلى جنب روبيل فمسه، ويروى خذ بيده فائتني به، فذهب الغلام فمسه فسكن غضبه فقال لإخوته: من مسني منكم؟ قالوا: لم يصبك منا أحد. فقال روبيل: إنّ هنا بذرًا من بذر يعقوب. فقال يوسف: من يعقوب؟ وروي أنه غضب ثانيًا، فقام إليه يوسف فركضه برجله، وأخذ بتلابيبه فوقع على الأرض، وقال: أنتم يا معشر العبرانيين تظنون أنّ لا أحد أشد منكم فلما صار أمرهم إلى هذا ورأوا أن لا سبيل لهم إلى تخليصه خضعوا وذلوا.
و{قالوا يا أيها العزيز} فخاطبوه بما يليق بالأكابر ليرق لهم: {إن له}، أي: هذا الذي وجد الصواع في رحله: {أبًا شيخًا كبيرًا}، أي: في سنه وقدره وهو مغرم به لا يقدر على فراقه ولا يصبر عنه: {فخذ أحدنا مكانه} وأحسن إلى أبيه بإرساله إليه: {إنا نراك}، أي: نعلمك علمًا هو كالرؤية أو بحسب ما رأيناه: {من المحسنين}، أي: العريقين في صفة الإحسان فاجر في أمرنا على عادة إحسانك، فكأنه قيل: فما أجابهم؟ قيل: قال ابن الأنباري: وليس في هذه الأفعال كلها سرقة، ولكنها تشبهها فعيروه بها عند الغضب، وقيل: إنهم كذبوا عليه وبهتوه، وكانت قلوبهم مملوءة من الغضب على يوسف بعد تلك الوقائع وبعد انقضاء المدّة الطويلة. قال الرازي: وهذه الواقعة تدل على أنّ قلب الحاسد لا يطمئن من الغل البتة. {فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها}، أي: يظهرها: {لهم} والضمير للكلمة التي هي قوله: {قال}، أي: في نفسه: {أنتم شرّ مكانًا}، أي: من يوسف وأخيه، أي: لسرقتكم أخاكم من أبيكم وظلمكم له، وقيل: الضمير يرجع إلى الكلمة التي قالوها في حقه، وهي قولهم: {فقد سرق أخ له من قبل} وعلى هذا يكون المعنى: فأسر يوسف جواب الكلمة التي قالوها في حقه: {والله أعلم} منكم: {بما تصفون}، أي: تقولون، وأنه ليس كما قلتم، قال أصحاب الأخبار والسير: إنّ يوسف عليه السلام لما استخرج الصاع من رحل بنيامين نقره وأدناه إلى أذنه ثم قال: إنّ صاعي هذا يخبرني أنكم كنتم اثني عشر رجلًا لأب واحد وإنكم انطلقتم بأخ لكم من أبيكم فبعتموه فقال بنيامين: أيها الملك إنّ صاعك يخبرك من جعله في رحلي، ثم نقره وأدناه من أذنه، فقال: إنّ صاعي غضبان وهو يقول: كيف تسألوني عن صاحبي وقد رؤيت مع من كنت؟ قالوا: فغضب روبيل لذلك، وكانوا أولاد يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا، وكان روبيل إذا غضب لم يقم لغضبه شيء، وكان إذا صاح ألقت كل حامل حملها إذا سمعت صوته، وكان مع هذا إذا مسه أحد من ولد يعقوب عليه السلام يسكن غضبه، وكان أقوى الأخوة وأشدّهم، وروي أنه قال لإخوته: كم عدد الأسواق بمصر؟ قالوا: عشرة. فقال: اكفوني أنتم الأسواق، وأنا أكفيكم الملك أو اكفوني أنتم الملك وأنا أكفيكم الأسواق، ودخلوا على يوسف فقال روبيل: لتردّن علينا أخانا أو لأصيحنّ صيحة لا تبقي بمصر امرأة حامل إلا ألقت ولدها، وقامت كل شعرة في جسده حتى خرجت من ثيابه، فقال يوسف لابن له صغير: قم إلى جنب روبيل فمسه، ويروى خذ بيده فائتني به، فذهب الغلام فمسه فسكن غضبه فقال لإخوته: من مسني منكم؟ قالوا: لم يصبك منا أحد. فقال روبيل: إنّ هنا بذرًا من بذر يعقوب. فقال يوسف: من يعقوب؟ وروي أنه غضب ثانيًا، فقام إليه يوسف فركضه برجله، وأخذ بتلابيبه فوقع على الأرض، وقال: أنتم يا معشر العبرانيين تظنون أنّ لا أحد أشد منكم فلما صار أمرهم إلى هذا ورأوا أن لا سبيل لهم إلى تخليصه خضعوا وذلوا.
و{قالوا يا أيها العزيز} فخاطبوه بما يليق بالأكابر ليرق لهم: {إن له}، أي: هذا الذي وجد الصواع في رحله: {أبًا شيخًا كبيرًا}، أي: في سنه وقدره وهو مغرم به لا يقدر على فراقه ولا يصبر عنه: {فخذ أحدنا مكانه} وأحسن إلى أبيه بإرساله إليه: {إنا نراك}، أي: نعلمك علمًا هو كالرؤية أو بحسب ما رأيناه: {من المحسنين}، أي: العريقين في صفة الإحسان فاجر في أمرنا على عادة إحسانك، فكأنه قيل: فما أجابهم؟ قيل: {قال معاذ الله} هو نصب على المصدر، وحذف فعله وأضيف إلى المفعول، أي: نعوذ بالذي لا مثل له معاذًا عظيمًا من: {أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده} ولم يقل: سرق متاعنا؛ لأنه لم يفعل في الصواع فعل السارق، ولم يقع منه قبل ذلك ما يصح إطلاق الوصف عليه، ثم علله بقوله: {إنا إذًا}، أي: إذا أخذنا أحدًا مكانه: {لظالمون}، أي: عريقون في الظلم في دينكم، فلم تطلبون ما هو ظلم عندكم، ولما استيأسهم بما قال عن إطلاق بنيامين حكى الله تعالى ما تم لهم من الرأي فقال: {فلما} دالًا بالفاء على قرب زمن تلك المراجعات: {استيأسوا}، أي: أيسوا: {منه} لما رأوا من إحسانه ولطفه ورحمته يأسًا شديدًا بما رأوا من ثباته على أخذه بعينه وعدم استبداله: {خلصوا}، أي: انفردوا عن غيرهم حال كونهم: {نجيًا} وهو مصدر يصلح للواحد وغيره، أي: ذوي نجوى يناجي بعضهم بعضًا، فكأنه قيل: فما قالوا؟ فقيل: {قال كبيرهم} في السنّ وهو روبيل، وقيل: في الفضل والعلم وهو يهوذا، وقيل: شمعون وكان له الرياسة على إخوته: {ألم تعلموا} مقررًا لهم بما يعرفونه مع قرب الزمان ليشتدّ توجههم في بذل الجهد في الخلاص من غضب أبيهم: {أن أباكم}، أي: الشيخ الكبير الذي فجعتموه في أحب ولده إليه: {قد أخذ عليكم}، أي: قبل أن يعطيكم هذا الولد الآخر: {موثقًا}، أي: عهدًا وثيقًا: {من الله} في أخيكم، وإنما جعل حلفهم بالله موثقًا منه؛ لأنه بإذن منه وتأكيد من جهته، وقوله: {ومن قبل ما فرطتم} في هذه الآية وجوه: أظهرها أن ما مزيدة فيتعلق الظرف بالفعل بعدها والتقدير: ومن قبل هذا فرطتم، أي: قصرتم في حق يوسف وشأنه، وزيادة ما كثيرة، وبه بدأ الزمخشري وغيره، وقيل: أنها مصدرية في محل رفع بالابتداء والخبر هو قوله: {في يوسف}، أي: وتفريطكم كائن أو مستقر في يوسف، وإلى هذا ذهب الفارسي، وقيل: غير ذلك ولا نطيل بذكره إذ في هذا القدر كفاية: {فلن أبرح}، أي: أفارق: {الأرض}، أي: أرض مصر: {حتى يأذن لي أبي}، أي: بالعود إليه: {أو يحكم الله لي} بخلاص أخي: {وهو خير الحاكمين}، أي: أعدلهم، فإن قيل: هذه الواقعة من أولها إلى آخرها تزوير وكذب، فكيف يجوز ليوسف عليه السلام أن يعمل مثل هذه الأعمال بأبيه ولم يخبره بمكانه، وحبس أخاه أيضًا عنده مع علمه بشدة وجدان أبيه عليه وشدة غمه وفيه ما فيه من العقوق وإيذاء الناس من غير ذنب لاسيما ويعلم أنه إذا حبس أخاه عنده بهذه التهمة فإنه يعظم حزن أبيه ويشتد غمه، فكيف يليق بالرسول المعصوم المبالغة في التزوير إلى هذا الحد؟
أجيب: بأجوبة كثيرة للعلماء، وأحسنها أنه إنما فعل ذلك بأمر من الله تعالى له لا عن أمره وإنما أمره الله تعالى بذلك ليزيد بلاء يعقوب عليه السلام، فيضاعف له الأجر على البلاء ويلحقه بدرجة آبائه، ولله تعالى أسرار لا يعلمها أحد من خلقه، وهو المتصرف في خلقه بما يشاء، فهو الذي أخفى خبر يوسف عن يعقوب في هذه المدة مع قرب المسافة لما يريد أن يدبره فيهم، والله أعلم بأحوال عباده، ثم قال كبيرهم: {ارجعوا إلى أبيكم} دوني: {فقولوا} له، أي: متلطفين في خطابكم: {يا أبانا} وأكدوا مقالتكم فإنه ينكرها وقولوا: {إن ابنك سرق} فإن قيل: كيف يحكمون عليه بأنه سرق من غير بينة وهو قد أجابهم بالجواب الشافي، فقال: الذي جعل الصاع في رحلي هو الذي جعل البضاعة في رحالكم؟
أجيب: بأنهم لما شاهدوا الصاع وقد أخرج من متاعه غلب على ظنهم أنه سرق فلذلك نسبوه إلى السرقة في ظاهر الأمر لا في حقيقة الحال، ويدل على أنهم لم يقطعوا عليه بالسرقة قولهم: {وما شهدنا} عليه: {إلا بما علمنا} ظاهرًا من رؤيتنا الصاع يخرج من وعائه، وأما قوله: وضع الصاع في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم، فالفرق ظاهر؛ لأن هناك لما رجعوا بالبضاعة إليهم اعترفوا بأنهم هم الذين وضعوها في رحالهم، وأما هذا الصاع فإن أحدًا لم يعترف بأنه هو الذي وضع الصاع في رحله، فلهذا السبب غلب على ظنهم أنه سرق، فشهدوا بناء على الظن: {وما كنا للغيب}، أي: ما غاب عنا حين أعطينا الموثق: {حافظين}، أي: ما كنا نعلم أن ابنك يسرق، ويصير أمرنا إلى هذا ولو علمنا ذلك ما ذهبنا به معنا، وإنما قلنا: ونحفظ أخانا مما لنا إلى حفظه سبيل، وحقيقة الحال غير معلومة لنا، فإن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى، فلعل الصاع دس في رحله، ونحن لا نعلم ذلك، فلعل حيلة دبرت في ذلك غاب عنا علمها كما صنع في رد بضاعتنا.
{واسأل القرية}، أي: أهلها على حذف المضاف، وهو مجاز مشهور، وقيل: إنه مجاز لكنه من باب إطلاق المحل وإرادة الحال: {التي كنا فيها} وهي مصر عما أخبرناك به يخبروك بصدقنا، فإن الأمر قد اشتهر عندهم، وقيل: هي قرية من قرى مصر كانوا ارتحلوا منها إلى مصر: {و} اسأل: {العير}، أي: القافلة، وهم قوم من كنعان جيران يعقوب عليه السلام: {التي أقبلنا فيها} والسؤال طلب الأخبار بأداته من الهمزة، أو هل أو غيرهما، والقرية الأرض الجامعة لحدود فاصلة وأصلها من قريت الماء جمعته، والعير قافلة الحمير من العير بالفتح وهو الحمار هذا هو الأصل ثم كثر حتى استعمل في غير الحمير، ولما كان ذلك بالإنكار لما يتحقق من كرم أخيهم أكدوه بقولهم: {وإنا}، أي: والله إنا: {لصادقون} في أقوالنا، ولما رجعوا إلى أبيهم وقالوا له ما قال كبيرهم، فكأنه قيل: فما قال لهم؟ فقيل: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّى وَحُزْنِى إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا تَعْلَمُونَ يَابَنِىَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وتَايَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ يَايَْسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} {قال} لهم: {بل سوّلت}، أي: زينت تزيينًا فيه غي: {لكم أنفسكم أمرًا}، أي: حدّثتكم بأمر ففعلتموه، وإلا فما أدرى الملك أن السارق يؤخذ بسرقته: {فصبر جميل}، أي: فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل صبري، أو أجمل، وقدم مثل ذلك في واقعة يوسف إلا أنه قال فيها: {والله المستعان على ما تصفون} [يوسف] وقال هنا: {عسى الله أن يأتيني بهم}، أي: بيوسف وشقيقه بنيامين والأخ الثالث الذي أقام بمصر: {جميعًا}، أي: فلا يتخلف منهم أحد، وإنما قال يعقوب عليه السلام هذه المقالة؛ لأنه لما طال حزنه واشتدّ بلاؤه ومحنته علم أن الله تعالى سيجعل له فرجًا ومخرجًا عن قريب، فقال ذلك على سبيل حسن الظن بالله تعالى وتفرس أن هذه الأفعال نشأت عن يوسف عليه السلام، وأن الأمر يرجع إلى سلامة واجتماع، ثم علل هذا بقوله: {إنه هو العليم}، أي: البليغ العلم بما خفي عنا من ذلك فيعلم أسبابه الموصلة إلى المقاصد: {الحكيم}، أي: البليغ فيما يدبره ويقضيه.